أحمد بن محمد المقري التلمساني

113

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وقال أبو الفضل بن حسداي ، وكان يهوديّا فأسلم ، ويقال : إنه من ولد موسى على نبيّنا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام : [ البسيط ] توريد خدّك للأحداق لذّات * عليه من عنبر الأصداغ لامات نيران هجرك للعشّاق نار لظى * لكن وصالك إن واصلت جنّات كأنما الراح والراحات تحملها * بدور تمّ وأيدي الشّرب هالات « 1 » حشاشة ما تركنا الماء يقتلها * إلّا لتحيا بها منّا حشاشات قد كان من قبلها في كأسها ثقل * فخفّ إذ ملئت منها الزجاجات وقد تبارى المشارقة والمغاربة من المتقدّمين والمتأخّرين في هذا الوزن والقافية ، ولولا خوف السآمة لذكرت من ذلك الجملة الشافية الكافية . [ بين ابن عبد ربه ويحيى القلفاط ] ومن سرعة جواب أهل الأندلس أنّ ابن عبد ربه كان صديقا لأبي محمد يحيى القلفاط الشاعر ، ففسد ما بينهما بسبب أنّ ابن عبد ربه صاحب العقد مرّ به يوما وكان في مشيه اضطراب ، فقال : أبا عمر ما علمت أنك آدر « 2 » إلّا اليوم لمّا رأيت مشيك ، فقال له ابن عبد ربه : كذبتك عرسك « 3 » أبا محمد ، فعزّ على القلفاط كلامه ، وقال له : أتتعرّض للحرم ؟ واللّه لأرينّك كيف الهجاء ، ثم صنع فيه قصيدة أوّلها : [ البسيط ] يا عرس أحمد ، أني مزمع سفرا * فودّعيني سرّا من أبي عمرا ثم تهاجيا بعد ذلك . وكان القلفاط يلقبه بطلاس لأنه كان أطلس اللحية ، ويسمّي كتاب « العقد » حبل الثوم ، فاتّفق اجتماعهما يوما عند بعض الوزراء ، فقال الوزير للقلفاط : كيف حالك اليوم مع أبي عمر ؟ فقال مرتجلا : [ السريع ] حال طلاس لي عن رائه * وكنت في قعدد أبنائه « 4 » فبدر ابن عبد ربه وقال : [ السريع ] إن كنت في قعدد أبنائه * فقد سقى أمّك من مائه فانقطع القلفاط خجلا . وعاش ابن عبد ربه 82 سنة ، رحمه اللّه تعالى ! [ من مروءة ابن جبير الرحالة ] ومن الحكايات في مروءة أهل الأندلس ما ذكره صاحب « الملتمس » في ترجمة الكاتب

--> ( 1 ) الشّرب : الجماعة الشاربون . ( 2 ) الآدر : منتفخ الخصية . ( 3 ) العرس ، بكسر العين وسكون الراء : الزوجة . ( 4 ) في ه : « مال طلاس لي عن رأيه » .